الشيخ الطبرسي

448

تفسير مجمع البيان

نسبوا الصيحة ، والريح العقيم ، والخسف ، وغيرهما مما أهلك الله تعالى به الأمم الخالية ، إلى ذلك ، إذ لا يمكنهم أن يروا في أسرار الطبيعة إرسال جماعات من الطير معها أحجار معدة مهيأة لهلاك أقوام معينين ، قاصدات إياهم دون من سواهم ، فترميهم بها حتى تهلكهم ، وتدمر عليهم ، حتى لا يتعدى ذلك إلى غيرهم ، ولا يشك من له مسكة من عقل ولب ، أن هذا لا يكون إلا من فعل الله تعالى ، مسبب الأسباب ، ومذلل الصعاب . وليس لأحد أن ينكر هذا ، لأن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لما قرأ هذه السورة على أهل مكة ، لم ينكروا ذلك ، بل أقروا به ، وصدقوه مع شدة حرصهم على تكذيبه ، واعتنائهم بالرد عليه . وكانوا قريبي العهد بأصحاب الفيل ، فلو لم يكن لذلك عندهم حقيقة وأصل ، لأنكروه وجحدوه ، وكيف وأنهم قد أرخوا بذلك كما أرخوا ببناء الكعبة ، وموت قصي بن كعب ، وغير ذلك . وقد أكثر الشعراء ذكر الفيل ، ونظموه ، ونقلته الرواة عنهم . فمن ذلك ما قاله أمية بن أبي الصلت : إن آيات ربنا بينات * ما يماري فيهن إلا الكفور حبس الفيل بالمغمس حتى * ظل يحبو كأنه معقور ( 1 ) وقال عبد الله بن عمرو بن مخزوم : أنت الجليل ربنا لم تدنس * أنت حبست الفيل بالمغمس من بعد ما هم بشئ مبلس * حبسته في هيئة المكركس أي المنكس . قال ابن الرقيات في قصيدة : واستهلت عليهم الطير بال‍ * جندل حتى كأنه مرجوم

--> ( 1 ) المغمس : موضع من مكة . والمعقور : الذي قطعت قوائمه . وفي رواية ابن هشام في السيرة : ( نافيات ) .